أبي حيان الأندلسي
44
تفسير البحر المحيط
وقال الفرزدق : * مستقبلين شمال الشام نضربهم * بحاصب كنديف القطن منثور * والحاصب العارض الرامي بالبرد والحجارة . تارة مرة وتجمع على تير وتارات . قال الشاعر : * وإنسان عيني يحسر الماء تارة * فيبدوا وتارات يجم فيغرق * القاصف الذي يكسر كل ما يلقى ، ويقال قصف الشجر يقصفه قصفاً كسره . وقال أبو تمام : * إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت * عيدان نجد ولا يعبأن بالرتم وقيل : القاصف الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد كأنها تتقصف أي تتكسر . * * ( قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ * فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ) * . قال الزمخشري : لما قالوا * ( أَءذَا كُنَّا عِظَاماً ) * قيل لهم * ( كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ) * فردّ قوله * ( كُونُواْ ) * على قولهم * ( كُنَّا ) * كأنه قيل * ( كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ) * ولا تكونوا عظاماً فإنه يقدر على إحيائكم . والمعنى أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم ويرده إلى حال الحياة وإلى رطوبة الحي وغضاضته بعدما كنتم عظاماً يابسة ، مع أن العظام بعض أجزاء الحي بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره ، فليس ببدع أن يردها الله بقدرته إلى حالتها الأولى ، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي ومن جنس ما ركب به البشر ، وهو أن تكونوا * ( حِجَارَةً ) * يابسة * ( أَوْ حَدِيداً ) * مع أن طباعها القساوة والصلابة لكان قادراً على أن يردكم إلى حال الحياة * ( أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ ) * عندكم عن قبول الحياة ، ويعظم في زعمكم على الخالق احياؤه فإنه يحييه . وقال ابن عطية : كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتي لا بد من بعثكم . وقوله * ( كُونُواْ ) * هو الذي يسميه المتكلمون التعجيز من أنواع أفعل ، وبهذه الآية مثل بعضهم وفي هذا عندي نظر وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب كقوله تعالى : * ( فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ ) * ونحوه . وأما هذه الآية فمعناها كونوا بالتوهم والتقدير كذا وكذا * ( الَّذِى فَطَرَكُمْ ) * كذلك هو يعيدكم انتهى . وقال مجاهد : المعنى * ( كُونُواْ ) * ما شئتم فستعادون . وقال النحاس : هذا قول حسن لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة وإنما المعنى أنهم قد أقروا بخالقهم وأنكروا البعث فقيل لهم استشعروا أن تكونوا ما شئتم ، فلو كنتم * ( حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ) * لبعثتم كما خلقتم أول مرة انتهى . * ( أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ) * صلابته وزيادته على قوة الحديد وصلابته ، ولم يعينه ترك ذلك إلى أفكارهم